أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
256
الكامل في اللغة والأدب
وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها ، والسلام . فكتب إليه القباع : قد قرأت كتابك يا أخا الأزد فرأيتك وقد وهب اللّه لك شرف الدنيا وعزّها ، وذخر لك ثواب الآخرة إن شاء اللّه وأجرها ، ورأيتك أوثق حصون المسلمين ، وهادّ أركان المشركين ، وأخا السياسة وذا الرئاسة فاستدم اللّه بشكره يتمم عليك نعمه ، والسلام . وكتب إليه أهل البصرة يهنئونه ولم يكتب إليه الأحنف ، ولكن قال : أقرئوا عليه السلام وقولوا له أنا لك على ما فارقتك عليه . فلم يزل يقرأ الكتب ويلتمس في أضعافها كتاب الأحنف ، فلما لم يره قال لأصحابه : أما كتب إلينا ؟ فقال له الرسول : حملني إليك رسالة ، وأبلغه ، فقال هذه أحبّ إليّ من هذه الكتب . مبايعة الخوارج للزبير واجتمعت الخوارج بأرّجان فبايعوا الزبير بن علي وهو من بني سليط بن يربوع من رهط ابن الماحوز فرأى فيهم انكسارا شديدا وضعفا بيّنا فقال لهم : اجتمعوا فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم أقبل عليهم فقال : إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر ، وهو على الكافرين عقوبة وخزي ، وإن يصب منكم أمير المؤمنين فما صار إليه خير مما خلّف ، وقد أصبتم منهم مسلم بن عبيس ، وربيعا الأجذم ، والحجاج ابن باب وحارثة بن بدور ، أشجيتم المهلّب وقتلتم أخاه المعارك ، واللّه يقول لإخوانكم من المؤمنين : إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس . فيوم سلّى كان لكم بلاء وتمحيصا ، ويوم سولاف كان لهم عقوبة ونكالا فلا تغلبنّ على الشك في حينه والصبر في وقته ، وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض ، الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » ثم تحمّل لمحاربة المهلب فنفحهم المهلب نفحة فرجعوا . فأكمن للمهلب في غمض من غموض الأرض يقرب من عسكره مائة فارس ليغتالوه . فسار المهلب يوما يطوف بعسكره ويفقد سواده فوقف على جبل ، فقال : إن من التدبير لهذه المارقة أن تكون قد أكمنت في سفح هذا
--> ( 1 ) سورة هود : الآية 49 .